أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
621
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أن يكون الفعل متعدّيا ، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم ، و « الذي » هو المفعول ، أي : فبهت إبراهيم الكافر ، أي غلبه في الحجّة ، أو يكون الفاعل الموصول ، والمفعول محذوف وهو إبراهيم ، أي : بهت الكافر إبراهيم أي : لمّا انقطع عن الحجّة بهته . والثاني : أن يكون لازما والموصول فاعل ، والمعنى معنى بهت ، فتتّحد القراءتان ، أو بمعنى أتى بالبهتان . وقرأ أبو حيوة : « فبهت » بفتح الباء وضمّ الهاء كظرف ، والفاعل الموصول . وحكى الأخفش : « فبهت » بكسر الهاء ، وهو قاصر أيضا . فيحصل فيه ثلاث لغات : بهت بفتحهما ، بهت بضم العين ، بهت بكسرها ، فالمفتوح يكون لازما ومتعديا ، قال : فَتَبْهَتُهُمْ « 1 » والبهت : التحيّر والدّهش ، وباهته وبهته واجهه بالكذب ، ومنه الحديث : « إنّ اليهود قوم بهت » « 2 » ، وذلك أن الكذب يحيّر المكذوب عليه . قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ : الجمهور على سكون واو « أو » وهي هنا للتفصيل ، وقيل : للتخيير بين التعجب من شأنهما . وقرأ أبو سفيان بن حسين « 3 » « أو » بفتحها ، على أنها واو العطف ، والهمزة قبلها للاستفهام . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 259 ] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259 ) وفي قوله : كَالَّذِي أربعة أوجه : أحدها : أنه عطف على المعنى وتقديره عند الكسائي والفراء : هل رأيت كالذي حاجّ إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية ، هكذا قال مكي ، أمّا العطف على المعنى فهو وإن كان موجودا في لسانهم كقوله : 1048 - تقيّ نقيّ لم يكثّر غنيمة * بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد « 4 » وقول الآخر : 1049 - أجدّك لن ترى بثعيلبات * ولا بيدان ناجية ذمولا « 5 » ولا متدارك واللّيل طفل * ببعض نواشغ الوادي حمولا فإنّ معنى الأول : ليس بمكثر ولذلك عطف عليه « ولا بحقلّد » ، ومعنى الثاني : أجدّك لست براء ، ولذلك
--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 40 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6 / 418 ) ، كتاب أحاديث الأنبياء ( 3329 ) ، وأحمد في المسند ( 3 / 108 - 271 - 272 ) . ( 3 ) بل هو سفيان بن حسين السلمي روى عنه شعبة . ( 4 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 234 ) ، المغني ( 582 ) ، اللسان « حقلد » . ( 5 ) البيتان للمرار بن سعيد انظرهما في مجالس ثعلب ( 1 / 159 ) ، الخزانة ( 1 / 262 ) ، الطبري ( 1 / 443 ) ، معاني الفراء ( 1 / 171 ) .